أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
182
نثر الدر في المحاضرات
وجاز بهلول بسوق البزّازين ، فرأى قوما مستجمعين على باب دكان ينظرون إلى نقب قد نقب على بعضهم ، فاطّلع في النّقب ، ثم قال : وكلكم لا تعلمون ذا من عمل من ؟ قالوا : لا . قال : فإني أعلم . فقال الناس : هذا مجنون يراهم بالليل ولا يتحاشونه ، فأنعموا له القول لعله يخبر بذلك . فسألوه أن يخبرهم . فقال : إني جائع ، فهاتوا أربعة أرطال رقاق ورأسين ، فأحضروا ذلك وأكل ، فلما استوفى قال : هو ذا أشتهي شيئا حلوا ، فأحضروا له رطلين فالوذج فأكله ، وفرغ منه وقام وتأمّل النقب ، ثم قال : كأنكم الساعة لستم تعلمون هذا من عمل من ؟ قالوا : لا . قال : هذا من عمل اللصوص لا شكّ . وعدا . ولع الصبيان بعيناوة ، وصاحوا عليه ، ورموه ، فهرب منهم فاستقبلته امرأة معها صبيّ صغير ، فدنا منها ولطم الطفل لطمة كادت تأتي عليه ، فقالت المرأة : قطعت يدك ! إيش أذنب هذا إليك . قال : يا قحبة ؛ هذا يكون غدا شرّا من هؤلاء الكشاخنة « 1 » . ركب الهادي يوما ، فنظر إلى مجنون يلقّب بكسرة ؛ ويرمي من يقول هذا اللقب ، ويعمل العجائب ؛ فأمر بحمله إلى الدار ، فقال له : لم تشتم الناس إذا قالوا لك : كسرة ؟ قال : ولم تضرب الأعناق إذا قيل لك : موسى أطبق ؟ قال : أنا لا أغضب من هذا . قال : فصح أنت بي ثلاث مرات ، وأصيح مرتين فننظر من يحرد . قال : قد رضيت . فقال الهادي : يا كسرة ؛ يا كسرة . ثلاث مرات ، وطوّلها ، فلم يلتفت المجنون ، ولم يتحرك ولم يحرد ، ثم صاح : يا موسى أطبق . فلم يتحرّك الهادي ، فقال المجنون : ما يتغافل إلا من أمه قحبة . فحرد الهادي ، ودعا بالنّطع والسّيف ، فقال المجنون : كيف رأيت ؟ كان المجنون واحدا ، صرنا اثنين . وأنا أيضا هكذا ؛ لو قالوا : يا كسرة ؛ يا رغيف . ألف سنة ما باليت ، ولكن كذا يقولون لي إذا تغافلت . فضحك الهادي وأمر له بجائزة . قال بعضهم : رأيت مجنونين قد رفعا إلى بعض أصحاب الشرط ، وقد تواثبا وتخاصما ؛ فقال لأحدهما : لم فعلت هذا ؟ قال : لأنه وثب عليّ وشجّني ؛
--> ( 1 ) الكشاخنة : جمع كشخان ، وهو الديوث .